السبت، 31 يناير 2026

abdo hamza

مخزون السدود في المغرب يختبر اليقظة الاستباقية لتفادي الفيضانات

abdo hamza بتاريخ عدد التعليقات : 0

 

مخزون السدود
مخزون السدود 

مخزون السدود في المغرب يختبر اليقظة الاستباقية لتفادي الفيضانات

في لحظة فارقة من الموسم المطري 2026، انتقل النقاش في المغرب من التوجس من سنوات الجفاف المتعاقبة إلى “كيفية تدبير مخاطر الفيضانات”، واضعا منظومة تدبير المنشآت المائية أمام اختبار “عقلانية الوفرة”، بعد سنوات عسيرة كان عنوانها الأبرز “تدبير الندرة”.

بينما كانت الأنظار تتجه نحو نسب ملء السدود كـ”تباشير خير”، أطلقت وكالة الحوض المائي لسبو عملية تصريف مائي استباقية من “سد الوحدة” بصبيب يصل إلى 250 مترا مكعبا في الثانية، في خطوة تقنية تهدف إلى الموازنة بين الحفاظ على المنشآت وضمان سلامة الساكنة، علما أن نسبة ملء السد وصلت في الإجمالي إلى 80,57 بالمائة أمس الخميس.

وفي الأيام الأخيرة التي عرفت تساقطات مطرية استثنائية بحوضيْ “اللوكوس” “وسبو”، نبه خبراء متابعون للشأن المائي بالمغرب إلى أن “الامتلاء السريع للسدود قد يتحول من منحة إلى محنة إذا لم يُحكم استباقيا”.

طمأنة و”سلامة الساكنة أولا”

في غضون ذلك، كشف مصدر مطلع من وكالة الحوض المائي لسبو أن الوضعية الحالية “تحت السيطرة الكاملة”، موردا،  أن عملية إطلاق المياه تندرج ضمن “صبيب اعتيادي مدروس تقنيا للحفاظ على سلامة سد الوحدة” بوصفه أكبر المنشآت المائية بالمملكة واجه واردات مطرية استثنائية أعادت للأذهان الحقب المائية الماطرة في سبعينيات القرن الماضي.

وشدد المصدر عينه على أن “الحفاظ على سلامة الساكنة في سافلة السد أو التي تقع ضمن مجرى أنهار الحوض وتأمينَها، يبقى الهاجس الأول”، مؤكدا “وجود تتبع على مدار الساعة، بتنسيق مع سلطات الجهات المعنية، لمراقبة تطور الحالة الهيدرولوجية وتدبير المخزونات وفق معايير صارمة للوقاية من المخاطر”.

بالموازاة مع هذه التدابير، تبرز تحديات ميدانية مرتبطة بـ”الاستغلال غير المشروع (أحيانا) للمِلك المائي واحتلال مجاري الأودية في السنوات الجافة السابقة، وهي معوقات تعقّد مأمورية تدبير الفائض المائي وتزيد من منسوب الخطر في المناطق المنخفضة”، بحسب ما أفاد به مصدر الجريدة.

بين “تَدبيريْن”

عن الربط بين “تدبير الوفرة” والحلول الاستباقية لتفادي تكرار سيناريوهات الفيضانات الكارثية، قال الخبير الدولي في الموارد المائية، محمد بازة، إن الرهان الحقيقي للمغرب اليوم، “ليس مقتصرا على مواجهة الجفاف وتداعياته، بل يمتد إلى فلسفة تدبير الوفرة”.

وفي تحليله للوضع المائي الراهن (متم يناير 2026)، أطلق بازة تحذيرا شديد اللهجة،  قائلا: “مَن لا يُحسن تدبير الندرة، لا يمكنه تدبير الوفرة بشكل جيد”. وفي تقديره، هذا المنطق يضع “تدبير المخزون المائي أمام اختبار الموازنة بين الحاجة إلى التخزين والضرورة القصوى للحماية من الفيضانات، خاصة في ظل وصول نسب ملء السدود الكبرى في حوضي اللوكوس وسبو إلى مستويات ‘حرجة’ تقارب 80%”.

وفي قراءة تقنية للأرقام المسجلة، أوضح بازة أن الواردات المائية الاستثنائية التي استقبلها سد الوحدة (نحو 209 ملايين متر مكعب في 24 ساعة فقط) تمثل نعمة مائية تعادل استهلاك مدينة كالدار البيضاء لعام كامل، لكنها في الوقت ذاته تحمل “نذير كارثة”. وشرح أن “استمرار الامتلاء بهذه الوتيرة في بداية الموسم المطري يعني فقدان السد لوظيفته الحيوية كمنشأة للوقاية من الفيضانات”. وبمجرد بلوغ السد طاقته القصوى، تبرز “ضرورة التحكم في صبيب المياه، مما يجعل مناطق شاسعة بحوضيْ سبو واللوكوس ومناطق الغرب في مواجهة مباشرة مع خطر فيضانات غامرة تشابه سيناريو 2009-2010”.

الاستباقية و”التفريغ المدروس”

باسطا خيارات حلول عمليّة لتفادي كارثة وشيكة، شدد بازة على ضرورة الانتقال من “التدبير الانفعالي” إلى “التدبير الاستباقي”. ويتمثل ذلك في تفعيل آلية التفريغ الوقائي (Lâchages préventifs)؛ أي إفراغ كميات محددة ومدروسة من مياه السدود التي بلغت مستويات عالية، لتوفير “سعة استيعابية” كافية لاستقبال الموجات المطرية القادمة.

هذا الإجراء، رغم كلفته الظاهرة في ضياع بعض الماء، فهو، بحسب الخبير ذاته، “الضامن الوحيد لمنع التدفقات الفجائية التي قد تكتسح الحقول والمدن”، مؤكدا أن سوء تدبير الوفرة المائية ينضاف اليوم إلى سوء تدبير الندرة، ما لم يتم اعتماد حلول تقنية تعتمد على التوقعات الجوية الدقيقة والجرأة في اتخاذ القرار”.

وخلص محمد بازة إلى أن “حماية مناطق الشمال بالمغرب تتطلب تغيير العقيدة المائية؛ فالمقياس الحقيقي لنجاح السياسة المائية ليس هو التباهي بنسب ملء تصل إلى 100%، بل هو القدرة على حماية الأرواح والممتلكات من خلال تدبير عقلاني للفائض، يضمن استدامة المورد المائي دون أن يتحول إلى قوة تدميرية”.

بدوره، لا يبتعد عن القراءة السالفة المهندس محمد بنعبو، رئيس المكتب الوطني للجمعية الوطنية “مغرب أصدقاء البيئة”، قائلا: “في ظرف زمني وجيز للغاية، استطاعت الأمطار الغزيرة التي شهدتها المملكة، لا سيما في المنطقة الشمالية الغربية، أن تغير الوضعية المائية لسد الوحدة (أكبر سد وطنيا) من حالة مقلقة اتسمت بالجفاف والإجهاد المائي، إلى مؤشرات ملء مريحة”.

وعدّ المتحدث أن هذا التحول أعاد الأمل للفلاحين ورفع من معنويات المواطنين، حيث بلغت نسبة ملء السد حوالي 80.6%، وهي نسبة جد مهمة رغم أنها لم تصل بعد إلى الرقم القياسي المسجل سنة 2018 الذي تجاوز 94.7%”.

وأوضح بنعبو أن هذا التحسن يعود بالأساس إلى التساقطات المطرية الكثيفة التي عرفتها المناطق المحيطة بالحوض المائي لسبو، وتحديدا منطقة الريف. وقد ساهمت روافد “نهر سبو” و”ورغة” التي تصب في سد الوحدة في تغيير الملامح الهيدرولوجية للمنطقة بشكل إيجابي”. ومع ذلك، أشار إلى أن “هذا التحسن ترافقه تحديات حقيقية، خاصة في ظل التوقعات باستمرار التقلبات المطرية، حيث تشير النماذج الرقمية الدولية إلى إمكانية وصول المعدل التراكمي في بعض المناطق إلى 800 ملم”.

“التفريغ الوقائي” والسلامة

المصرح المتابع للشأن المائي بالمغرب شدد على أن “عملية تفريغ مياه السدود، وخصوصا سد الوحدة، هي عملية وقائية بالدرجة الأولى”، مؤكدا أنها “إجراء تقني اعتيادي يهدف إلى تفادي الضغوط المفرطة التي قد تتعرض لها المنشأة المائية نتيجة توافد كميات إضافية متوقعة”، مع “الحفاظ على السلامة الهيكلية للسد والمنشآت المائية التابعة”.

كما نوه إلى “ضمان تدبير دقيق ومتوازن لحقينة السد في ظل التغيرات المناخية وعدم انتظام التساقطات التي تعاني منها المملكة منذ عقود”.

وطمأن بنعبو، ختاما، بأن “عملية التفريغ تتم وفق معايير مراقبة ميدانية دقيقة وتنسيق عالي المستوى مع السلطات المحلية ومصالح الوقاية المدنية، مؤكدا أنها عملية متحكم فيها ولا تشكل خطرا بحدوث فيضانات. وتتجه هذه المياه مباشرة نحو حوض سبو وعبر “وادي ورغة”، مع رفع مستوى اليقظة في نقط التقاء الوديان (مثل ملتقى ورغة وسبو بالشراردة) لتفادي تكرار سيناريوهات فيضانات سابقة، مستحضرا أن “لجان اليقظة تهدف من خلال تتبعها الآني إلى حماية المواطنين، والدواوير، والمراكز الحضرية المجاورة، وضمان سلامة الشبكة الطرقية والسكك الحديدية”.


مخزون السدود في المغرب يختبر اليقظة الاستباقية لتفادي الفيضانات
تقييمات المشاركة : مخزون السدود في المغرب يختبر اليقظة الاستباقية لتفادي الفيضانات 9 على 10 مرتكز على 10 ratings. 9 تقييمات القراء.

مواضيع قد تهمك

تعليق