![]() |
| السفير زنيبر |
السفير زنيبر: أولوية نزع السلاح النووي تترجم التزام المغرب بالقانون الدولي
في القاعة السادسة عشرة بالطابق الخامس من قصر الأمم المتحدة بجنيف تتواصل نقاشات مؤتمر نزع السلاح على إيقاع مداخلات قوية وتباينات واضحة بين القوى النووية الكبرى، في ظرف دولي يتسم بتصاعد التوترات واتساع رقعة النزاعات عبر العالم. ويأتي ذلك في وقت يتولى المغرب رئاسة هذا المحفل الأممي، في شخص السفير عمر زنيبر، الممثل الدائم للمملكة لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
المؤتمر، الذي يضم 65 دولة من بينها الدول المالكة للسلاح النووي، يُعد أهم إطار تفاوضي متعدد الأطراف معني بقضايا نزع السلاح، غير أنه يعيش حالة جمود منذ أكثر من ثلاثة عقود، منذ آخر الاتفاقيات الكبرى المتعلقة بحظر الأسلحة الكيماوية والتجارب النووية.
وخلال الاجتماع رفيع المستوى الذي حضره الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أكد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، في كلمة ألقاها نيابة عنه السفير زنيبر، أن نزع السلاح النووي يمثل “ضرورة سياسية وأخلاقية لا حياد عنها”، داعياً إلى التنفيذ الكامل والفاعل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية باعتبارها حجر الزاوية في نظام عدم الانتشار الدولي
من داخل مقر الأمم المتحدة بجنيف يوضح السفير عمر زنيبر أولويات الرئاسة المغربية، ورهانات إعادة الروح إلى مؤتمر نزع السلاح، وكيف توازن المملكة بين التزاماتها الدولية ومتطلبات أمنها الوطني، في ظل انقسامات حادة بين القوى الكبرى وتزايد المخاوف من سباق تسلح جديد.
نص الحوار:
ما أولويات الرئاسة المغربية لمؤتمر نزع السلاح في ظل تصاعد التوترات الدولية؟
الأولوية المغربية تنسجم مع أولوية الأمم المتحدة نفسها في مجال نزع السلاح، باعتباره من الركائز الأساسية التي قامت عليها المنظمة بعد الحرب العالمية الثانية.
في برنامج رئاستنا لهذا الشهر أعطينا أولوية قصوى لمسألة نزع السلاح النووي، بالنظر إلى ما شهدته المرحلة الأخيرة من تصاعد خطاب مرتبط بالأسلحة النووية، بل وظهور نوع من الضبابية بشأن إمكانية استعمالها، وهذا أمر مقلق للغاية.
مسؤوليتنا داخل مؤتمر نزع السلاح هي المساهمة في الحفاظ على الأمن العالمي والجهوي، والتنبيه إلى ضرورة نزع السلاح النووي وعدم استعمال هذه الأسلحة الفتاكة تحت أي ظرف. ولهذا برمجنا، بعد الشق رفيع المستوى، نقاشات مهيكلة خلال الأسبوعين المقبلين حول نزع السلاح النووي والحد من سباق التسلح، بمشاركة خبراء دوليين رفيعي المستوى وكافة الوفود.
تحدثت عن “إعادة إطلاق ملموسة” لأشغال المؤتمر. كيف يمكن كسر الجمود المستمر منذ أزيد من ثلاثة عقود؟
المؤتمر يعرف جمودا منذ انتهاء المفاوضات الكبرى حول حظر الأسلحة الكيماوية ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية قبل حوالي 30 سنة؛ فمنذ ذلك الحين لم يتمكن من إطلاق مفاوضات جديدة رغم وجود جدول أعمال مهم يشمل قضايا مثل الأسلحة البيولوجية، والأسلحة المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
العالم تغير بشكل عميق، بينما ظل المؤتمر متأخراً عن مواكبة هذه التحولات. لذلك نعتبر أن من واجبنا العمل على تدارك الوقت الضائع وفتح نقاشات جدية ومهيكلة حول هذه القضايا، كما أكد على ذلك وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة في كلمته الأخيرة.
لماذا يعتبر المغرب نزع السلاح النووي “ضرورة سياسية وأخلاقية لا حياد عنها”؟ وهل يمكن أن يخلق هذا الموقف اصطفافات محرجة أو مكلفة للمملكة؟
لا أعتقد أن هذا الموقف يخلق أي اصطفاف أو إشكال. نحن نتحرك في إطار اتفاقيات دولية قائمة، وعلى رأسها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تنص بوضوح على التزامات في اتجاه نزع السلاح؛ والمغرب طرف فيها، مثل غالبية دول العالم.
موقفنا منسجم مع التزامات قانونية دولية، كما أنه موقف مبدئي. استعمال السلاح النووي لا ينسجم مع المبادئ الإنسانية ولا مع منطق تدبير النزاعات. والمغرب لم يبدأ اليوم الدفاع عن هذا الطرح، فهو عضو في مؤتمر نزع السلاح منذ سبعينيات القرن الماضي، ويساهم بخبراته الدبلوماسية والتقنية، بما يشمل خبراء من قطاعات الدفاع، في مختلف النقاشات ذات الطابع المعقد تقنياً وعلمياً.
هل يعني هذا أن موقف المغرب لا يصطف مع قوى معينة ضد دول أخرى، مثل إيران مثلاً؟
أبداً. موقفنا ليس موجهاً ضد أي دولة بعينها. أي دولة، سواء كانت إيران أو غيرها، مطالبة بالالتزام بالمعاهدات الدولية التي تشكل الإطار المنظم لعملنا المشترك. المسألة مبدئية وقانونية، وليست اصطفافاً سياسياً.
كيف يوازن المغرب بين الدعوة إلى نزع السلاح ومتطلبات الأمن الإقليمي والدولي؟
المغرب كان دائماً يتبنى خطاباً متكاملاً يقوم على نزع السلاح بصفة عامة، سواء كان نووياً أو غير نووي. نحن دولة في طور النمو، ويجب أن نوجه إمكانياتنا نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز علاقات إقليمية مبنية على الثقة والصداقة والتعاون.
في الوقت نفسه يظل الأمن الوطني أولوية قصوى. المغرب بلد واجه تحديات تمس وحدته الترابية، وله تموقع دبلوماسي فاعل، وبالتالي يولي أهمية كبيرة لحماية أمنه ومصالحه الإستراتيجية.
غير أن سباق التسلح والانفلات في هذا المجال قد يؤديان إلى توترات خطيرة، وهو ما يجعل من الدعوة إلى نزع السلاح خياراً عقلانياً يخدم الاستقرار الدولي.
كيف يمكن للدبلوماسية المغربية استثمار رئاسة المؤتمر، خصوصاً في أفق رهانات أخرى داخل الأمم المتحدة؟
المغرب يحظى بثقة مختلف الأطراف، سواء داخل الدول الأعضاء أو في أوساط منظومة الأمم المتحدة. هذه الثقة نابعة من صلابة الدبلوماسية المغربية وتوجهاتها الإستراتيجية بقيادة جلالة الملك محمد السادس.
دبلوماسيتنا معروفة بالمسؤولية، وبتجنب الاصطفافات الضيقة والصراعات العقيمة، وبالاستعداد للقيام بأدوار الوساطة والرئاسة. المغرب يُطلب منه الاضطلاع بمسؤوليات في عدة مسارات تفاوضية، لأن مقاربته تجمع بين الدفاع عن مصالحه الوطنية وخدمة المصلحة المشتركة، وهو ما يعزز موقعه في العمل متعدد الأطراف.
ما أهمية احتضان الرباط اجتماع المنتدى العالمي للوقاية من الإرهاب الإشعاعي والنووي؟
موضوع الإرهاب النووي أو الإشعاعي مطروح منذ سنوات، بالنظر إلى وجود مواد نووية وراديولوجية تُستخدم في مجالات سلمية، كالصحة والطاقة والفلاحة. هذه المواد تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن المخاطر تظل قائمة إذا لم يتم ضبطها بشكل صارم.
احتضان المغرب هذا الاجتماع يندرج في إطار تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات لمنع أي استخدام إجرامي لهذه المواد من طرف جماعات إرهابية. الهدف هو تعزيز آليات المراقبة والوقاية، وضمان عدم انحراف الاستعمالات السلمية نحو أغراض تهدد الأمن الدولي.
في ظل الانقسامات الواضحة بين القوى الكبرى، هل يمكن فعلاً تحريك الجمود خلال الرئاسة المغربية لهذا المؤتمر الهام؟
بصراحة، الفضاء الدولي الحالي غير ملائم. عدد النزاعات القائمة اليوم هو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، سواء في أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو إفريقيا أو آسيا. هذا المناخ يزيد من صعوبة التوافق.
لكن في المقابل خطورة الوضع قد تشكل فرصة لإعادة إحياء مؤتمر نزع السلاح. عندما تصل كلفة التسلح إلى حوالي 2700 مليار دولار سنوياً، كما أشار الأمين العام للأمم المتحدة، يصبح من الضروري إعادة التفكير في الأولويات، خصوصاً في عالم يعاني اختلالات تنموية وإنسانية عميقة.
نحن نؤمن بأن تكثيف الجهود والعمل بعقلانية يمكن أن يعيد قضية نزع السلاح إلى الواجهة كأولوية دولية، انسجاماً مع روح ومبادئ الأمم المتحدة.

تعليق