السبت، 4 أبريل 2026

فن السيرك بالمغرب يروي قصة الهوية والمهارة والتحديات والإنجازات الدولية

 

فن السيرك
فن السيرك

فن السيرك بالمغرب يروي قصة الهوية والمهارة والتحديات والإنجازات الدولية

يسجّل فن السيرك بالمغرب حضورًا لافتًا كأحد أشكال التعبير التي راكمت مسارًا طويلًا داخل النسيج الثقافي، إذ ارتبط بممارسات تقليدية حافظت عليها جماعات فنية عبر الزمن، خصوصًا في بعض المناطق التي جعلت منه جزءًا من هويتها. وقد أتاح هذا الامتداد استمرارية هذا الفن وقدرته على التكيّف، بما يعكس غنى الرصيد الفني الوطني وتنوع روافده.

وفي سياق متصل يواصل عدد من الممارسين المغاربة تعزيز حضورهم على الساحة الدولية من خلال مشاركات متميزة في فضاءات فنية كبرى، مستفيدين من تراكم الخبرة وانفتاحهم على أساليب وتقنيات حديثة، وهو ما يسهم في إبراز صورة إيجابية عن هذا الفن، ويعكس دينامية متجددة تسعى إلى تطوير الأداء والارتقاء به نحو مستويات احترافية

من جيل إلى جيل

يوسف سلمان، فنان سيرك، قال إن “فن الأكروبات يُعدّ في المغرب من الفنون العريقة التي تمتد جذورها عبر التاريخ، خاصة في منطقة سوس، حيث ظل هذا الفن يُنقل من جيل إلى جيل داخل العائلات، في إطار تقاليد فنية متوارثة حافظت على استمراره وخصوصيته الثقافية”.

وأشار المتحدث ذاته، إلى أن “الفنانين المغاربة الأوائل برزوا كروّاد في هذا المجال، إذ تمكنوا من إيصال فن الأكروبات إلى أوروبا والمشاركة في عروض السيرك العالمية، ما ساهم في التعريف بالإبداع المغربي خارج الحدود، وإبراز قدراته الفنية والبدنية على منصات دولية مرموقة”.

ورغم هذه المكانة، يضيف سلمان “مازال عدد من هؤلاء الفنانين، ممن قدّموا إنجازات لافتة، لا يحظون بالاعتراف الكافي داخل المغرب، وهو ما يطرح تساؤلات حول سبل تثمين هذا التراث الفني والإنصاف الرمزي لممارسيه”.

بين التطوّر والآفاق

أكد الفنان ذاته أن “تطورًا ملحوظًا يُسجَّل لدى الجيل الجديد من الفنانين، إذ أصبحوا يوظفون تقنيات حديثة مثل تمارين التوازن على اليدين (handstand) وفنون الأداء الجوي (aerial disciplines)، ما يعكس انفتاحهم على مدارس عالمية وسعيهم إلى تطوير مهاراتهم وفق معايير احترافية”، مستدركًا بأن “هذا التطور يصطدم بواقع محدودية الإمكانيات داخل المغرب، مقارنة بما هو متاح في الخارج من تجهيزات ودعم مؤسساتي، الأمر الذي يخلق فجوة واضحة تؤثر على مسار هؤلاء الفنانين وطموحاتهم المهنية”.

كما لفت يوسف سلمان، خريج مدرسة (جمعية) فنية مستقلة بمدينة سلا، إلى أن “فن السيرك لا يندرج فقط ضمن الترفيه، بل يتطلب قدرًا عاليًا من القوة والانضباط والتدريب المستمر، شأنه شأن مختلف الرياضات الاحترافية، ما يستدعي إعادة النظر في مكانته داخل المشهد الثقافي والرياضي”.

وختم فنان السيرك توضيحه بالتأكيد على ضرورة “تسليط الضوء على هذا الفن ودعم الفنانين الشباب، إذ يستحق الأكروبات اهتمامًا أكبر لما يحمله من قيمة فنية ورياضية عالية، خاصة أن العديد من الفنانين المغاربة يحققون نجاحات مشرفة في الخارج ويشاركون في مهرجانات عالمية، في حين يظلّ حضورهم داخل الوطن محدودًا وغير معروف بالشكل الكافي”.

مطالب شبابية

من جانبه قال بحسين احشون، أستاذ سيرك بأكادير، إن “عددًا من الشباب يواجهون في مدن أكادير وطنجة والعرائش والقصر الكبير ومراكش، خصوصًا المتخصصين في مجالات مثل pole وaerial straps، صعوبات كبيرة في إيجاد فضاءات مناسبة للتدريب”.

وأضاف المتحدث ذاته، أنه “في ظل غياب تجهيزات مخصصة يضطر بعض الفنانين إلى البحث عن حلول بديلة، مثل تعليق straps في أماكن غير مهيأة، ما يجعل التدريب أكثر صعوبة وخطورة”، مشددًا على أنه “رغم هذه التحديات يواصل هؤلاء الفنانون تطوير مهاراتهم بجهودهم الذاتية، ويحقق بعضهم مستويات عالية ويشاركون في عروض ومهرجانات داخل وخارج المغرب”.

وأشار احشون، رئيس جمعية Atlasland، إلى أن “هذه التحديات لا تقتصر على مدينة واحدة، بل تمتد إلى مدن ومناطق مختلفة، حيث يعاني العديد من فناني السيرك من نقص واضح في البنية التحتية والتجهيزات، ما يعيق تطور هذا المجال رغم الإمكانيات الكبيرة التي يزخر بها الشباب المغربي”.

ووجه المصرح نفسه نداءً إلى المسؤولين والفاعلين الثقافيين والرياضيين من أجل “دعم فن السيرك بالمغرب، باعتباره فناً يجمع بين التربية والرياضة والإبداع الفني، ويساهم في تأطير الأطفال والشباب وحمايتهم من الانحراف، وذلك من خلال إنشاء مدرسة وطنية لفنون السيرك بأكادير، وتوفير فضاءات تدريب مجهزة وآمنة للأطفال والشباب، ودعم الجمعيات النشيطة في مجال السيرك، وإدماج فنون السيرك ضمن البرامج الثقافية والتربوية، وتنظيم مهرجانات وطنية لها تفتح آفاقاً للفنانين المغاربة”.

وختم الفنان ذاته توضيحاته بالتأكيد على أن “فن السيرك ليس مجرد فرجة، بل هو مشروع تربوي وثقافي واجتماعي يمكن أن يجعل من المغرب مركزاً إقليمياً لفنون السيرك في إفريقيا، وجمعية Atlasland مستعدة للمساهمة بخبرتها وتجربتها الميدانية في إنجاح هذا المشروع الوطني”.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق